*بقلم: الهاشمي آيت درى
تتجدد في المغرب موجات الجدل مع كل ارتفاع جديد في أسعار المحروقات، لكن النقاش هذه المرة لم يعد يقتصر على آليات السوق أو التقلبات الدولية، بل امتد ليشمل سؤالا أكثر حساسية، هل يمكن الحديث عن سوق محررة في ظل تداخل محتمل بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية؟
منذ سنة 2015، اختار المغرب تحرير أسعار المحروقات، واضعا حدا لتدخل الدولة المباشر في تحديدها، ومفوضا هذه المهمة لشركات التوزيع وفق منطق العرض والطلب، غير أن هذا الخيار، الذي كان يهدف إلى تخفيف العبء عن المالية العمومية، أفرز واقعا معقدا، يتسم بارتفاع الأسعار وتزايد الشكوك حول شفافية السوق.
قطاع المحروقات في المغرب يظل رهينا لعوامل خارجية، أبرزها تقلبات أسعار النفط عالميا وسعر صرف الدولار، فضلا عن اعتماد شبه كلي على الاستيراد في ظل غياب التكرير المحلي بعد توقف مصفاة “سامير”، كما أن هيمنة عدد محدود من الشركات على السوق تطرح تساؤلات حول حقيقة المنافسة.
لكن العنصر الأكثر إثارة للجدل في هذا الملف هو ما يعتبره منتقدون تضاربا في المصالح لدى السيد عزيز أخنوش، الذي يعد رئيسا للحكومة – بما يفرضه عليه هذا المنصب من مسؤولية في حماية المواطنين من جشع شركات المحروقات وتواطؤها على المستهلكين، وهو في الآن نفسه أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في قطاع المحروقات عبر مجموعة “أكوا” – وهو الموقع الذي لا يفهم إلا منطق رفع نسب الربح واستغلال الفرص لمراكمة الثروات؛
فبحسب تقارير وتحليلات إعلامية، يُنظر إلى هذا الوضع باعتباره حالة تجمع بين القرار السياسي والمصلحة الاقتصادية، حيث يملك السلطة وكبرى شركات توزيع الوقود في البلاد، وهو ما اعتبره متابعون نموذجا واضحا لتضارب المصالح، كما تشير معطيات إلى أن شركة “أفريقيا” التابعة لمجموعته استحوذت على نسب مهمة من سوق المحروقات بعد تحرير الأسعار، بلغت نحو 29% من الديزل و42% من البنزين الممتاز.
هذا التداخل بين السياسة والاقتصاد أعاد إلى الواجهة تقارير برلمانية تحدثت عن تحقيق شركات المحروقات أرباحا كبيرة بعد التحرير، قُدرت في فترة معينة بحوالي 17 مليار درهم، ووصفت من طرف بعض الفاعلين بأنها “غير مشروعة” أو على الأقل غير مبررة في ظل غياب المنافسة الفعلية، كما أن تقارير إعلامية أخرى أثارت شبهات حول تواطؤ محتمل بين شركات القطاع في تحديد الأسعار، أو على الأقل عدم عكسها بشكل عادل لتراجع الأسعار الدولية، وهو ما غذى شعورا عاما بأن السوق لا تعمل وفق قواعد شفافة
في المقابل، ينفي رئيس الحكومة هذه الاتهامات، مؤكدا أن أنشطته الاقتصادية تدار في إطار قانوني وشفاف، وأن الصفقات التي تفوز بها شركاته تخضع لمسطرة المنافسة، غير أن هذا النفي لم يوقف تصاعد الانتقادات، خاصة في ظل حملات مقاطعة شعبية استهدفت شركاته، واعتبرتها رمزا لزواج المال بالسلطة، جلب على المغرب أزمات اجتماعية متلاحقة وأجهز على القدرة الشرائية للمغاربة بشكل غير مسبوق منذ صعود هاته الحكومة.
ضمن هذا السياق، يطرح متتبعون إشكالا أعمق يتعلق بفعالية الإطار القانوني المنظم لتضارب المصالح في المغرب، ومدى قدرته على ضمان الفصل بين المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية، خصوصا في القطاعات الحيوية ذات التأثير المباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
وبينما تؤكد الحكومة أن ارتفاع الأسعار مرتبط بالظرفية الدولية، يرى منتقدوها أن غياب إجراءات حازمة لضبط السوق، مثل تسقيف الأسعار أو تقنين هوامش الربح، يعزز الشكوك حول وجود اختلالات بنيوية، تتجاوز مجرد تقلبات السوق العالمية.
في النهاية، لم يعد النقاش حول أسعار المحروقات في المغرب تقنيا فقط، بل أصبح نقاشا سياسيا وأخلاقيا بامتياز، يطرح سؤال الثقة في السياسات العمومية، وحدود التداخل بين السلطة والمال، وهو نقاش مرشح للاستمرار، ما لم يتم إرساء قواعد أكثر صرامة للشفافية والمساءلة، تعيد التوازن بين متطلبات السوق وحقوق المواطنين.
*باحث في الدراسات السياسية والاجتماعية




































































