*عبد الإله زريق
لم يعد الفضاء العام في مدينة تازة حكرا على الشوارع الرئيسية والأرصفة المخصصة للمارة، بل تحول تدريجيا إلى مجال مفتوح للفوضى التي طالت حتى الأزقة الضيقة داخل الأحياء السكنية.
مظاهر التعدي على الملك العمومي تتعدد: مقاه تبسط كراسيها فوق الأرصفة، محلات تجارية تتمدد نحو الطريق، وباعة متجولون يحتلون مساحات واسعة بشكل تعسفي يعرقل حركة المواطنين.
ورغم وضوح هذه الاعتداءات التي أصبحت مشهدا يوميا، يكتفي المجلس الجماعي والسلطات المحلية بموقف صامت، دون اتخاذ إجراءات ملموسة للحد من الظاهرة، ما جعل المدينة تعيش في وضعية متناقضة بين وجود قوانين صارمة وتنفيذ غائب على الأرض.
القانون التنظيمي 113.14، الذي يمنح للمجالس الجماعية صلاحيات تدبير الملك العمومي، يحدد بوضوح مساطر استغلاله عبر تراخيص مؤقتة قابلة للمراجعة والسحب، فضلا عن إمكانية ضبط المخالفين وتطبيق الغرامات عليهم. كما يضع على عاتق السلطات المحلية واجب السهر على احترام النظام العام وضمان تطبيق القانون على الجميع دون تمييز. لكن الواقع في تازة، حسب شكايات المواطنين وما يعاينه الرأي العام، يكشف ضعف الالتزام بهذه المساطر: تراخيص تمنح دون دراسة معمقة، مخالفات تمر دون تسجيل، وإجراءات السحب والعقوبة لا تجد طريقها إلى التطبيق. والنتيجة فوضى متزايدة تجعل الشارع العام مساحة متنازعًا عليها بدل أن يكون حقا مشتركا.
المواطن التازي، وهو يوجه شكاياته إلى الجهات المعنية، يجد نفسه في مواجهة صمت مطبق من السلطات، ما يثير تساؤلات عميقة: هل هو سوء تدبير محض، أم أن هناك تواطؤا ضمنيا يسمح باستمرار هذه الفوضى؟ غياب الجواب الرسمي يزيد من شعور الإحباط ويفتح الباب أمام فقدان الثقة في المؤسسات. ومن منظور يساري تقدمي، معالجة الوضع لا يمكن أن تكون جزئية أو ظرفية، بل تستوجب خطة شاملة ترتكز على الالتزام الصارم بالمساطر القانونية في تحرير الملك العمومي، المراقبة الدقيقة للتراخيص وضمان مطابقتها للقانون، تطبيق العقوبات والغرامات على المخالفين دون استثناء أو تمييز، ثم إشراك المجتمع المدني في رصد التجاوزات ومتابعة عمل السلطات بما يعزز الشفافية والمساءلة.
إن احترام المساطر الإدارية ليس ترفا بل حقا أصيلا للمواطنين في فضاء عمومي منظم يحمي حركتهم ويصون جمالية مدينتهم. وإذا استمرت السلطات في نهج الصمت والتقاعس، فإن اللجوء إلى القضاء والضغط المدني يصبحان خيارا لا محيد عنه لاسترجاع الحق العام وحماية مصلحة الساكنة. اليوم، تجد مدينة تازة نفسها أمام مفترق طرق: إما أن تستعيد ملكها العام عبر تطبيق القانون بحزم، أو أن تغرق أكثر في دوامة الفوضى، لتُسجل تاريخا من التقصير بدل أن تقدم نموذجا في الحكامة المحلية الرشيدة.
*كاتب فرع حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بتازة